علي بن أحمد المهائمي
437
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يريده بهم سيّدهم ولا شريك له فيهم فإنّه قال : عِبادُكَ [ المائدة : 118 ] ، فأفرد . والمراد بالعذاب إذلالهم ولا أذلّ منهم لكونهم عبادا ؛ فذواتهم تقتضي أنّهم أذلّاء فلا تذلّهم فإنّك لا تذلّهم بأدون ممّا هم فيه من كونهم عبيدا . وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي : تسترهم عن إيقاع العذاب الّذي يستحقّونه بمخالفتهم أي تجعل لهم غفرا يسترهم عن ذلك ويمنعهم منه ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] ، أي : المنيع الحمى ، وهذا الاسم إذا أعطاه الحقّ لمن أعطاه من عباده يسمّى الحقّ بالمعزّ ، والمعطى له هذا الاسم بالعزيز ، فيكون منيع الحمى عمّا يريد به المنتقم والمعذّب من الانتقام والعذاب ] . ( ثم قال ) عيسى عليه السّلام في منتهى أمره ( كلمة عيسوية ومحمدية ) ، وهو قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] ، ( أما كونها عيسوية ، فإنها قول عيسى عليه السّلام ) ابتداء بإخبار اللّه ( عنه في كتابه ) ، وما أخبر عنه إلا لكونه مبتديا لها ، وإن كان غاية كمالها لغيره ، كما أشار إليه بقوله ، ( وأما كونها محمدية ؛ فلوقوعها من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) ( بالمكان ) العظيم ( الذي وقعت فيه ، فقام بها ) أي : بتلاوتها وتدبرها ( ليلة كاملة يرددها ) ، لما انكشف له من فوائدها في مراتب ترديدها ( لم يعدل إلى غيرها ) لاستيفاء تلك الفوائد ( حتى طلع الفجر ) ، فحصل له الكشف التام من فوائدها ، وهو يقول : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] . ولما كان المقصود منها التعريض للعفو عنهم مع تفويض الأمر إليه تعالى ، أخذ في بيان عذرهم مع بيان الحكمة في تعذيبهم ، فقال : وهم ، أي : لفظة هم في قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ، وقوله : فَإِنَّهُمْ [ المائدة : 118 ] ، وقوله : وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ [ المائدة : 118 ] ، ( لهم ضمير الغائب ) يدل على غيبتهم عن الحق ، ( كما أن هو ضمير الغائب ) يدل على غيبة الحق عنهم ، فإنهم إنما غابوا عنه ؛ لغيبته عنهم ، فاقتصر نظرهم على الأمور الظاهرة ، فلما ظهر لبعضهم إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص من عيسى ، نسبوا الألوهية إليه ، ( كما قال ) في حق غيرهم : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الفتح : 25 ] ، أي : لغفلتهم عن الحق الظاهر فيهم وفي غيرهم ستروه ، ( فكان الغيب ) أي : غيب الحق عنهم عند ظهوره فيهم لغفلتهم عنه ، ( سترا لهم عما يراد بالمشهود الحاضر ) من جعله سببا لمعرفته بما ظهر من إرادتك بتغليب بعض تجليات الأسماء على بعض ؛ ولذلك فسره بقوله ، ( أي : منيع الحمى ) « 1 » بحيث
--> ( 1 ) يعني أن ذاتك بحسب الاسم العزيز والغفور ويقتضي مظهرا يظهر بها كمال الظهور ولا أكمل مظهرا ممن جعل لك شريكا .